سياسة

حتى لا ننسى قبرص يومًا ما أو نتسبب بنسيانها

د. ياسين اكتاي
yaktay@

تتعرض تركيا لانتقادات من قبل الاتحاد الأوروبي والجانب الرومي من قبرص، بسبب موقفها الرافض للتنازل عن القضية القبرصية، لكن بما أن أوروبا وقبرص الرومية يصران على تجاهل أحداث ما قبل عام 1974؛ إذن هل يمكن أن يكون ذلك ضمانًا لعدم تكرار تلك الأحداث مستقبلًا؟

ليتهم قدّموا ضمانًا أو حاولوا على الأقل فعل ذلك، لساعد ذلك بشكل كبير في اعتبار ما حدث جزءًا من الماضي، أو أنه نزوة عابرة واستثنائية ضمن تاريخ ذلك المجتمع. إلا أن ما يحدث الآن في الواقع يحمل مؤشرات هائلة على أن ما حدث يمكن أن يتكرر وبصورة أكثر وحشية.

من المؤسف حقًّا أن ما حدث قبل عام 1974 من محاولات إبادة جماعية ضد الأتراك في قبرص، تم بدعم مباشر من قبل الأوروبيين أنفسهم، الذين كان من المفترض أن يكونوا ضامنين للسلام وحماة للحقوق والحريات.

إن أكبر دليل على أن ما حدث في الماضي يمكن أن يتكرر وبصورة أقسى، هو ما حدث تمامًا بعد عشرين عامًا فقط من ذلك التاريخ (1974)، وفي “قلب أوروبا” كما يعبّر علي عزت بيجوفيتش، وخلال الربع الأخير من القرن العشرين، وذلك حينما قام القائد الهولندي وباسم الأمم المتحدة، بجمع الأسلحة من مسلمي البوسنة في سربرنيتشا، بحجة أنها تحت حماية الأمم المتحدة، مما جعلهم عزّلًا يواجهون بصدورهم العارية إبادة جماعية من قبل الصرب.

كذلك الأمر في أحداث ما قبل عام 1974، حيث أن البعثات الأوروبية التي كانت مسؤولة عن حفظ السلام بين الشريحتين التركية والرومية، اللتين كانتا تعيش معًا قبل ذلك التاريخ، لم تفعل شيئًا ولم تحرّك ساكنًا أمام مجازر القبارصة الروم بحق الأتراك، بل جلّ ما فعلته هو تسهيل ارتكاب تلك المجازر.

ولذلك السبب بالتحديد جاءت “عملية السلام التركية” ضرورة لا بد منها، وحينما تفتش وراء الأكاذيب التي تصف تلك العملية بـ”الاحتلال التركي” لقبرص، لن تجد سوى حسرات على عدم فشلهم في إكمال ما بدؤوه من إبادة جماعية ممنهجة ضد القبارصة الأتراك.

حين النظر إلى موقف الاتحاد الأوروبي العلني في جزيرة قبرص، ووقوفه ضد تركيا على حساب الجانب الرومي بقبرص، يُظهر في الواقع النية الواضحة التي تقف وراء مواقف الاتحاد الأوروبي.

لأجل ذلك من الحرّي بنا أن لا ننسى ولا نسمح بنسيان أحداث ما قبل 1974، ومن الضروري تذكير أولئك الذين يعانون من ضعف الذاكرة، من خلال أفضل الطرق وأكثرها لفتًا للانتباه.

وفي هذا السياق، يعتبر مسلسل “كان يا ما كان في قبرص” (Bir Zamanlar Kıbrıs)، مشروعًا مهمًّا من حيث إعادة تجسيد ما حدث على شكل مشاهد حية.

يحاول المسلسل تجسيد الأحداث المعاشة قبل 1974، وعرضها للمشاهد من خلال الدراما، وبلغة أكثر حضورًا وتأثيرًا مما يمكن أن يفعله فيلم وثائقي ما.

كل حلقة من حلقات المسلسل بمثابة حكاية على حدة، ومع ذلك فإن هذا لا يعني أن المسلسل خالٍ تمامًا من أي مشكلة.

بداية، دعونا نتفق على أنه من الصعب للغاية إنتاج مسلسل درامي عن حقبة تاريخية قريبة.

من الصعب بمكان أن يتم إنتاج عمل درامي عن أحداث، لا يزال من عايشها أو كان شاهدًا عليها وحاضرًا حينها؛ حيًّا يرزق. لا شك أن هذه النقطة تصعّب عملية إنتاج هذا المسلسل. والصعوبة الأكبر تكمن في تجسيد الفنان لشخصية معروفة في تلك الأحداث، ربما تكون حية أو رحلت حديثًا، حيث أن عملية استبدال هذه الشخصية بدور ما في المسلسل هو تحدٍّ صعب لن يوفي هذا الشخص حقه أيًّا كانت المحاولة أو الجهود المبذولة لذلك. لا سيما وإن كان ذلك الشخص زعيمًا اجتماعيًّا، أو أحد الفاعلين الرئيسيين في تلك المرحلة.

ومن ناحية أخرى، حينما تكون تفاصيل الأحداث معروفة لدى الجميع بطريقة ما، فإن عنصر معاينتها سيكون قائمًا على الاستماع لرواية بضع شهادات حيّة على تلك الأحداث، وإن الاقتصار على سماع رواية واحدة بعينها لا بد أنه سيجلب معه مشاكل عدة، لا سيما وأن أيّ حدث ما لا يمكن أن يقتصر على رواية واحدة.

في معرض الحديث عن ذلك، أخبرني صديق عزيز من القبارصة الأتراك، وهو صحفي في صحيفة “خبر قبرص”، إلى أن مسلسل “كان يا ما كان في قبرص” اقترب من محاولة تجسيد الأحداث التي عاشوها، على شكل عمل درامي، إلا أنه استدرك ذلك بالقول بأنّ بعض الأخطاء الكبيرة الموجودة في هذا المسلسل، جعلتهم يشعرون بخيبة أمل كبيرة. نقلًا عن الصحفي القبرصي التركي أحمد تولجاي، الذي عاش أيضًا حقبة الستينيات، فقد قال أنهم يقدّرون أن المسلسل ليس فيلمًا وثائقيًّا، وأنه في النهاية عمل درامي، إلا أن حرية الدراما لا ينبغي أن تتضمن تحريفًا للشخصيات أو الأحداث التاريخية.

على سبيل المثال، حينما يصور المسلسل مطاردة الإرهابي صمصون لرؤوف دنكطاش، في شوارع نيقوسيا، وأنه شخصية ضعيفة وبكّاءة، سواء هو أو صديقه، فضل كوتشوك، أحد القادة الآخرين للحركة؛ فهل يا ترى كان تصوير المسلسل لذلك نابعًا عن محض خيال درامي، أم أنه يعتمد على وثائقيات ومعلومات؟

ثانيًا، من المعروف أن هذه الشخصيات حينما تُذكر يتبادر للذهن كيف كانوا ذوي معرفة وحنكة، وأنهم في ظل أصعب ظروف الحرب لم يتخلوا عن الروح المعنوية وبثّها بين الآخرين.

كذلك الأمر مع قضية عرض دنكطاش على أنه كان ملازمًا لكاميرا معلقة على صدره كنوع من الهواية في التقاط الصور، بيد أنه ربما لم يلتفت للتصوير كهواية إلا في مرحلة مؤخرة، أما عرضه كشخص هاوٍ للتصوير على الدوام يعتبر نوعًا من الإهمال. لا سيما وأن هناك معلومات تؤكدها الدراسات الوثائقية تشير إلى أن دنكطاش لم يلتفت لهواية التصوير إلا فيما بعد فقدان ابنه. ومن اللافت ان ابنته عبّرت عن هذا الأمر، لكن بلهجة أقسى نوعًا ما.

كما أن هناك أخطاء أخرى يحتوي عليها المسلسل؛ على سبيل المثال لم يكن رمز “الهلال الأحمر” موجودًا على قبعات موظفي القطاع الصحي من أطباء وممرضات، ممن سجنوا داخل المستشفى الحكومي للجمهورية، الذي تم تدميره خلال احتفال عيد الميلاد الدامي.

كذلك الأمر، بالنسبة للطبيبة التي كانت على اتصال مع أنقرة، لم تكن “مسعودة”، بل هي آيتين بيركالب. وكذلك بالنسبة للطبيب العسكري برتبة رائد، نهاد إلهان عادل أوغلو، والذي يعتبر شخصية مهمة جدًّا في مجزرة الشاطئ، لم يكن يعمل في عيادته.

والمفوضية البريطانية العليا لم تكن مقرًّا عسكريًّا، بل كانت مؤسسة دبلوماسية، كذلك المفوض السامي البريطاني لم يكن ضابطًا رفيع المستوى، بل كان دبلوماسيًّا فحسب.

ولم يكن الجنرال “غريفاس” في قلب الأحداث المعروفة بـ “أكريتاس”، حيث كان متواجدًا حينها في اليونان لا قبرص. إضافة إلى أنه لم يكن جنرالًا بكل الأحوال، بل برتبة عقيد.

والطائرة التي كانت تغادر من مطار نيقوسيا الدولي لنقل المصابين إلى أنقرة، لم يحضر إليها كلّ من دنكطاش وكوتشوك لتوديعها.

كذلك الأمر بالطبع بالنسبة لدور المفتش “البطل” المرسَل من قبل أنقرة. حيث أن هذا الدور تطلب بالضرورة تصوير المقاتلين القبارصة الأتراك على أنهم لا يصلحون لشيء، وغير قادرين على فعل شيء، حتى حمل بندقية. نعم ربما تكون هذه الشخصية ترضي الجمهور وهم يشاهدون عملًا دراميًّا، إلا أنّ المنطق يفترض غير ذلك، وبما أن قبرص التركية قد حصلت على فرصة تحويل أحداثها المأساوية إلى مسلسل أو عمل درامي، فينبغي إذن شرح هذه الحقائق كما هي للعالم بأسره.

نقلاً عن يني شفق
#قبرص_برس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى